أبو نصر الفارابي

64

الأعمال الفلسفية

اختلفت مستويات هذه القوى من إنسان إلى آخر . ومن هنا نجد الفيلسوف يؤكد أنّ المعرفة التي توصلنا إليها مثلا بخصوص النفس والمكان ؛ وأثبتنا إنّياتهما ، لم تكن عن طريق ذاتي ؛ بل من نسب لها أشياء عرفناها ، أو من عارض لها أو لازم . وقد ترتفع فكرة اللازم هذه شيئا فشيئا حتى تصل إلى حقيقة ( الأول ) ، فلا يكون هناك لدينا أكثر من القول بأنّه يجب له الوجود ؛ لأنّ هذا الوجود لازم من لوازمه فحسب . وكون هذا الأول واجب الوجود ، لا يتأتى إلينا عن طريق اكتسابي ، بل هو معرفة أولية لنا . أمّا دلالة الوجود عموما فيعتبرها الفارابي في « تعليقاته » من لوازم الماهيّة لا من مقوّماتها ، وهو موقف يمثّل المدرسة الفلسفية في الإسلام حتى أواخر القرن التاسع للهجرة حيث ظهرت الفكرة الجديدة التي اتخذت ( أصالة الوجود ) أساسا رئيسا في فهم مشكلات الطبيعة وما بعدها . وما زلنا في صدد تأطير التعريف العام « للتعليقات » ؛ فإنّ الفارابي يتطرق من خلاله إلى أشتات متنوعة من الإشكالات الفلسفية سنشير إلى بعض منها ؛ كالكلام عن العلّة والمعلول ووجوب تلازمهما وعدم سبق أحدهما للآخر . وعن الكمّيات والكيفيات حيث يكون للأولى منهما أجزاء ولا أجزاء للثانية ؛ لأنّ الأجزاء لا تكون إلّا للجوهر المركّب . ثم يتحدث عن الصورة بدلالتها الفلسفية مؤكدا أنّها ليست علّة صورية للمادّة ، بل هي صورة لها ، وهي علّة صورية للمركّب ، وليست علّة للمركّب . وينتقد الذين قالوا إنّ المادّة ، أي الهيولى ، من حيث هي مادّة شيء ، ومن حيث هي مستعدة شيء ، وإنّ الاستعداد صورتها . بينا يؤكد